سهيلة عبد الباعث الترجمان
689
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
من حيث قدمه فعلمه لنفسه قديم ، ومن حيث حدوث الموجودات فعلمه له محدث فقال في ذلك : " إن علم الحق سبحانه وتعالى لنفسه وعلمه لمخلوقاته علم واحد ، فبنفس علمه بذاته يعلم مخلوقاته ، لكنها غير قديمة بقدمه لأنه يعلم مخلوقاته بالحدوث ، فهي في علمه محدثة الحكم في نفسها ، مسبوقة بالعدم في عينها ، وعلمه قديم غير مسبوق بالعدم " « 1 » . كذلك الأمر بالنسبة لوجود هذه المخلوقات بعد علمه بها ، فإنها تخضع خضوعا كليا للقدرة الإلهية في خروجها من العدم ، وتمر في مراحل تطور كي يتحقق وجودها العيني بعد وجودها في العلم الإلهي ، ولا يتم هذا الإيجاد بطريق الصدفة أو بحركة ذاتية ، إنما بفعل القدرة الإلهية التي يحاول الجيلي إثبات فعلها نظرا لما لها من أثر في إيجاد المخلوقات . إذ أنه في كل المراحل التي تجتازها دلالة على عجزها واحتياجها إلى الإيجاد بفعل قوة خارجة عنها فيقول : " وقولنا حكم الوجود له قبل حكم الوجود لها ، فإن القبلية هنا حكمية أصلية لا زمانية ، لأنه سبحانه وتعالى له الوجود الأول لاستقلاله بنفسه ، والمخلوقات لها الوجود الثاني لاحتياجها إليه ، فالمخلوقات معدومة في وجوده الأول ، فهو سبحانه أوجدها من العدم المحض في علمه اختراعا إلهيا ، ثم أبرزها من العالم العلمي إلى العالم العيني بقدرته وإيجاده للمخلوقات إيجادا من العدم إلى العلم إلى العين ، لا سبيل إلى غير هذا " « 2 » . وحجته في ذلك أن العدم ليس أمرا زائدا على ذات المعدوم حتى يقوم به كما هو الحال بالنسبة لقيام الصفة بالموصوف ، فهذه الفكرة إذن أسبق من الوجود العلمي والشهادي ، وفي ذلك قوله : " ونظرنا في أنفسنا فوجدناها موجودة ، فقلنا نحن كنا قبل هذا من جملة المعدومات ، ونحن الآن متصفون بالوجود ، فالوجود العدمي سابق على الوجود العلمي ، سابق على الوجود الشهادي ومن هنا أثبت وجود العدم والخلق من العدم " « 3 » . ولكن هل يتم ذلك في زمان محدد بالنسبة لعملية الخلق من العدم ؟
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 58 . ( 3 ) الجيلي ، شرح رسالة الإسفار ، ص . ص 8 - 9 .